روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
159
مشرب الأرواح
ومن حال إلى حال ، ومن تطرى عليه أوصاف البشرية ساعة وتنحسر عنه ساعة ويضطرب في سكره ويسكن في صحوه فهو متلون أيضا ، وربّ متلون تلوينه من قوة الوارد وهو معذور لأن موسى عليه السلام مع جلاله خرّ وأن الجبل مع صلابته دك ، وكان عليه السلام في ابتداء أمره بالوحي يضطرب ويرجف فؤاده فإذا وصل إلى محل التمكين سكن ، قال بعضهم : علامة الحقيقة دفع التلوين ، وقال الواسطي : من اتصف بالحق لم تقع عليه طوارق التلوين وأراد به تلوين الوارد والحال ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الصواب أن مقام التلوين تغير صاحبه في قوة الواردات وعجزه عن حمل أثقال برحائها . الفصل الثلاثون : في التمكين وذلك أن العارف إذا سكن عن السير في الصفات ووقع في بحار الذات بعد الاتصاف بالصفات فنى في أول الرؤية ، فيوجده الحق بعد فنائه ويلبسه لباس البقاء ويسقيه من شراب سناء الجمال ويؤنسه به ، فيسكن روعته في رؤية الذات فيصحى عن سكره ويبقى مع الحق بنعت الصحو ، فصار متمكنا في حمل واردات التجلي بالبديهة وعن البديهة كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم في مشاهدة الحق ليلة المعراج ، فيرجع ولم يؤثر منه صولة المشاهدة عما أثر في وجه موسى عليه السلام ، ولا يجري عليه فترة المريدين أيضا ، ويكون في محل عين اليقين حيث يزعجه الامتحان ، قال العارف قدّس اللّه روحه : التمكين أن لا يغيره معارضة السر بعد ذهاب أنوار المشاهدة وأن لا يغنى عنه بظهور سطوات مشاهدة الأزل وأيّ تمكين أجلّ من أن يحتمل ما لو حمل منه ذرة جميع العوالم ماتوا جميعا من صولتها وحدة برحائها « 1 » . الفصل الحادي والثلاثون : في الاستقامة العارف إذا كانت المعرفة والمحبة سجيته ولا يجري عليه الفترة في الظاهر والغفلة عن اللّه في الباطن ولا تغيره الشواغل والامتحان في الصحو ولا تحجبه النفس والشيطان والهواء عن المشاهدة في السكر فهو في حد الاستقامة ، قال تعالى لنبيه عليه السلام : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] ، فإذا علم النبي صلى اللّه عليه وسلّم مراد اللّه تعالى في الأمر وعرف أن حقيقة الاستقامة الخروج عن امتحان اللّه ومشاهدته في جميع
--> ( 1 ) البرحاء : الشّدّة والمشقة ، وخص بعضهم به شدة الحمّى . وبرحاء الحمّى وغيرها : شدة الأذى . ويقال للمحموم الشديد الحمّى : أصابته البرحاء ( لسان العرب ) .